سيد محمد طنطاوي
120
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وطهرت سرائرهم من النفاق والغش فصاروا في نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص البياض . والمعنى : أن عيسى عليه السلام - لما أحس الكفر من بني إسرائيل قال لهم من أنصارى إلى اللَّه ؟ فأجابه الحواريون الذين آمنوا به وصدقوه وباعوا نفوسهم اللَّه - تعالى - : نحن أنصار اللَّه الذين تبحث عنهم ، ونحن الذين سنقف إلى جانبك لنصرة الحق ، فقد آمنا باللَّه إيمانا عميقا ، ونريدك أن تشهد على إيماننا هذا ، وأن تشهد لنا يا عيسى بأنا مسلمون حين تشهد الرسل لأقوامهم وعليهم . فأنت ترى أن الحواريين لقوة إيمانهم وصفاء نفوسهم قد لبوا دعوة عيسى - عليه السلام - في طلب النصرة دون أن يخشوا أحدا إلا اللَّه . وقولهم - كما حكى القرآن عنهم * ( نَحْنُ أَنْصارُ اللَّه ) * إشعار بأنهم ما وقفوا بجانب عيسى إلا نصرة لدين اللَّه ودفاعا عن الحق الذي أنزله على رسوله عيسى . وقولهم * ( آمَنَّا بِاللَّه ) * جملة في معنى العلة للنصرة أي نحن أنصار اللَّه يا عيسى لأننا آمنا بأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، وأنه هو الخالق لكل شيء والقادر على كل شيء . وقولهم * ( واشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) * معطوف على آمنا والشهادة هنا بمعنى العلم المنبعث من المعاينة والمشاهدة فهم يطلبون من عيسى - عليه السلام - أن يكون شاهدا لهم يوم القيامة بأنهم أسلموا وجوههم اللَّه وأخلصوا له العبادة . وأقوالهم هذه التي حكاها القرآن عنهم تدل على أنهم كانوا في الدرجة العليا من قوة الإيمان وصدق اليقين ، ونقاء السريرة . ثم حكى القرآن عنهم أنهم قالوا - أيضا - * ( رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ ) * على أنبيائك من كتب * ( واتَّبَعْنَا الرَّسُولَ ) * أي امتثلنا ما أتى به منك إلينا * ( فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) * أي : اكتبنا بفضلك ورحمتك مع الشاهدين بوحدانيتك العاملين بشريعتك المستحقين لرضاك ورحمتك . فهم قد صدروا ضراعتهم إلى اللَّه - تعالى - بالاعتراف الكامل بربوبيته ثم أعلنوا إيمانهم به وبما أنزل على أنبيائه ، ثم أقروا باتباعهم لرسوله والأخذ بسنته ، ثم التمسوا منه - سبحانه - بعد ذلك أن يجعلهم من عباده الذين رضى عنهم وأرضاهم . وهذا يدل على أنهم في نهاية الأدب مع اللَّه - تعالى - وعلى أنهم في أسمى مراتب الإيمان قال